ابن قيم الجوزية

469

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

أحدهما : ما لم يوجد من مراد العبد . والثاني : ما وجد مما يكرهه . وهو يتناول فوات المحبوب ، وحصول المكروه ، فلو قضى الأول لكان ، ولو قضى خلاف الآخر لكان . فإذا استوت الحالتان بالنسبة إلى القضاء ، فعبودية العبد : أن تستوي عنده الحالتان بالنسبة إلى رضاه . وهذا موجب العبودية ومقتضاها يوضحه : الثامن والخمسون : أنه إذا استوى الأمران بالنسبة إلى رضى الرب تعالى فهذا رضيه لعبده فقدره ، وهذا لم يرضه له فلم يقدره ، فكمال الموافقة : أن يستويا بالنسبة إلى العبد ، فيرضى ما رضيه له ربه في الحالين . التاسع والخمسون : أن اللّه تعالى نهى عن التقدم بين يديه ويدي رسوله في حكمه الديني الشرعي ، وذلك عبودية هذا الأمر ، فعبودية أمره الكوني القدري : أن لا يتقدم بين يديه إلا حيث كانت المصلحة الراجحة في ذلك . فيكون التقدم أيضا بأمره الكوني والديني ، فإذا كان فرضه الصبر أو ندبه ، أو فرضه الرضى حتى ترك ذلك : فقد تقدم بين يدي شرعه وقدره . الستون : أن المحبة والإخلاص والإنابة : لا تقوم إلا على ساق الرضى . فالمحب راض عن حبيبه في كل حالة . وقد كان عمران بن حصين رضي اللّه عنه استسقي بطنه ، فبقي ملقى على ظهره مدة طويلة ، لا يقوم ولا يقعد ، وقد نقب له في سريره موضع لحاجته . فدخل عليه مطرّف ابن عبد اللّه الشّخّير . فجعل يبكي لما رأى من حاله ، فقال له عمران : لم تبكي ؟ فقال : لأني أراك على هذه الحال الفظيعة . فقال : لا تبك . فإن أحبه إليّ أحبه إليه . وقال : أخبرك بشيء ، لعل اللّه أن ينفعك به ، واكتم عليّ حتى أموت ، إن الملائكة تزورني فآنس بها . وتسلم عليّ فأسمع تسليمها . ولما قدم سعد بن أبي وقاص رضي اللّه عنه إلى مكة - وقد كفّ بصره - جعل الناس يهرعون إليه ليدعو لهم ، فجعل يدعو لهم ، قال عبد اللّه بن السائب : فأتيته وأنا غلام . فتعرفت إليه . فعرفني . فقلت : يا عم ، أنت تدعو للناس فيشفون ، فلو دعوت لنفسك لرد اللّه عليك بصرك ، فتبسم ، ثم قال : يا بني ، قضاء اللّه أحب إليّ من بصري . وقال بعض العارفين : ذنب أذنبته . أنا أبكي عليه ثلاثين سنة . قيل : وما هو ؟ قال : قلت لشيء قضاه اللّه : ليته لم يقضه ، أو ليته لم يكن . وقال بعض السلف : لو قرض لحمي بالمقاريض كان أحب إليّ من أن أقول لشيء قضاه اللّه : ليته لم يقضه . وقيل لعبد الواحد بن زيد : ههنا رجل قد تعبد خمسين سنة . فقصده . فقال له : حبيبي ، أخبرني عنك ، هل قنعت به ؟ قال : لا ، قال : فهل أنست به ؟ قال : لا ، قال : فهل رضيت عنه ؟ قال : لا ، قال : فإنما مزيدك منه الصوم والصلاة ؟ قال : نعم . قال : لولا أني أستحي منك لأخبرتك : أن معاملتك خمسين سنة مدخولة . يعني أنه لم يقرّبه فيجعله في مقام المقربين . فيوجده مواجيد العارفين ، بحيث يكون مزيده لديه : أعمال القلوب ، التي يستعمل بها كل محبوب مطلوب ، لأن القناعة : حال الموفق ، والأنس به : مقام المحب ، والرضى : وصف المتوكل . يعني أنت عنده في طبقات أصحاب اليمين ، فمزيدك عنده مزيد العموم من أعمال الجوارح .